Loading...
رئيس مجلس الإدارة
د.حاتم صادق

المصرى اون لاينبوابة خبرية متخصصة

رئيس التحرير
قدري الحجار

سوق الدواء تحت الضغط.. تحذيرات من نقص وارتفاع أسعار

الاثنين 27 أبريل 2026  11:52:49

مع تصاعد التوترات العالمية واضطراب سلاسل الإمداد، تلوح في الأفق ملامح أزمة جديدة في سوق الدواء المصري، عنوانها الأبرز «الأسعار»، فمع اعتماد صناعة الدواء بشكل كبير على استيراد المواد الخام من الخارج، بدأت شركات الأدوية تدق ناقوس الخطر، محذّرة من ضغوط مالية متزايدة قد تدفع نحو إعادة تسعير عدد من الأصناف، في وقت تتزايد فيه مخاوف المواطنين من انعكاس ذلك على تكلفة العلاج، خاصة لمرضى الأمراض المزمنة والحالات الحرجة.

وتفتح هذه التطورات الباب أمام تساؤلات ملحّة حول آليات تسعير الدواء في مصر، وحدود استجابة الدولة لمطالب الشركات، وما إذا كانت الزيادات المرتقبة ستطال الأدوية الحيوية والأساسية، أم ستظل ضمن نطاق محدود.

كما تفرض الأزمة المحتملة تحديًا مزدوجًا أمام الحكومة، يتمثل في كيفية الحفاظ على استقرار السوق وتوفير الدواء بكميات كافية، دون تحميل المرضى أعباء إضافية تمس حقهم في العلاج.

وبين ضغوط الإنتاج وتقلبات الاقتصاد العالمي، يبقى السؤال الأهم؛ كيف يمكن تحقيق معادلة التوازن بين استدامة صناعة الدواء وضمان إتاحته بسعر عادل للمواطن؟ وهل تتجه الدولة نحو موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، أم تنجح الإجراءات التنظيمية في احتواء الأزمة قبل تفاقمها؟


الحق في الدواء 
في البداية، حذّر محمود فؤاد، رئيس جمعية «الحق في الدواء»، من تنامي الضغوط التي تمارسها شركات الأدوية على الحكومة، ممثلة في هيئة الدواء المصرية، للموافقة على تحريك الأسعار، مشيرًا إلى أن هذه المطالب تأتي في ظل اضطرابات إقليمية ألقت بظلالها على سلاسل الإمداد العالمية، ما أدى إلى تعقيد عمليات الشحن والتوريد.

وأرجع فؤاد ذلك إلى تعطل حركة النقل البحري نتيجة التهديدات الإقليمية، وارتفاع تكاليف التأمين على الشحنات، بما يزيد من احتمالات تأخر وصول المواد الخام أو تعرضها للتلف، وهو ما يهدد استمرارية الإنتاج.

استيراد المواد الخام
أوضح فؤاد أن مصر تعتمد بشكل كبير على استيراد المواد الخام الدوائية، إذ تتجاوز قيمة الواردات السنوية من الهند والصين نحو 1.6 مليار دولار، وفق تقارير متخصصة في سوق الدواء العالمي، كما تستورد أدوية تامة الصنع، خاصة المرتبطة بالأمراض المزمنة والحالات الحرجة، بقيمة تقارب 800 مليون دولار سنويًا، ما يجعل السوق عرضة لأي اضطرابات خارجية.

وحذّرت الجمعية من أن أي توترات في الممرات الملاحية الحيوية، مثل مضيق هرمز، قد تؤدي إلى تأخير وصول الإمدادات، فيما قد تتفاقم الأزمة إذا امتدت التأثيرات إلى مضيق باب المندب، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لاستقرار سوق الدواء في مصر والمنطقة.

ضغوط الإنتاج
وكانت شركات الأدوية، ممثلة في شعبة تجارة الأدوية، قد أكدت أن ارتفاع تكاليف الإنتاج يمثل عاملًا حاسمًا في المطالبة بزيادة الأسعار، مشيرة إلى أن هذه التكاليف ارتفعت بنحو 30% نتيجة زيادة أسعار الطاقة، مثل الوقود والغاز والسولار، إلى جانب ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج الأخرى.

رسوم الخدمات
أشار محمود فؤاد إلى ارتفاع ملحوظ في رسوم بعض الخدمات التي تقدمها هيئة الدواء، حيث تضاعفت هذه الرسوم خلال السنوات الخمس الماضية بنسب كبيرة وصلت في بعض الحالات إلى 1000%، وهو ما اعتبرته الجمعية عبئًا إضافيًا يستدعي المراجعة من الجهات المختصة.

كما أوضحت الجمعية أن سوق الدواء شهد زيادات متكررة منذ تحرير سعر الصرف قبل نحو 10 سنوات، شملت رفع أسعار 3010 أصناف دوائية في عام 2018 بنسبة وصلت إلى 60%، ثم زيادة أسعار أكثر من 4500 صنف بنسب تراوحت بين 25% و60% للأدوية المحلية، فيما تجاوزت الزيادات في بعض الأدوية المستوردة 100%.

نمو السوق رغم التحديات
رغم هذه الضغوط، تشير تقديرات إلى أن سوق الدواء المصري يواصل النمو، حيث تجاوزت مبيعاته 4 مليارات دولار خلال عام 2025، بمعدل نمو بلغ 12%، في الوقت الذي لا تزال فيه مظلة التأمين الصحي تغطي نحو 64% فقط من المواطنين، ما يثقل كاهل الفئات الأقل دخلًا في ظل ارتفاع الأسعار أو نقص بعض الأدوية.

نقص الأدوية
رصدت الجمعية استمرار نقص عدد من الأصناف المهمة، تشمل أدوية ما بعد زراعة الأعضاء، وأدوية الأورام، والأمراض المناعية، والغدة الدرقية، إلى جانب محاليل الغسيل الكلوي وبعض الأدوية النفسية، وهو ما يثير قلق المرضى ويضع ضغوطًا إضافية على المنظومة الصحية.

وكشف فؤاد عن اتجاه حكومي مبدئي لرفض زيادة الأسعار في الوقت الحالي، محذرًا من تكرار سيناريوهات سابقة، حيث يؤدي نقص المعروض إلى إعادة فتح باب التفاوض، لينتهي غالبًا إلى تحريك الأسعار كحل اضطراري.

سيناريوهات السوق
يرى الدكتور أحمد ناجي، الخبير الصيدلي، أن سوق الدواء في مصر يواجه ثلاثة سيناريوهات محتملة؛ السيناريو الأول: تثبيت الأسعار مع تشديد الرقابة، وهو ما يحقق استقرارًا مؤقتًا، لكنه قد يدفع بعض الشركات إلى تقليل الإنتاج أو وقف تصنيع الأصناف منخفضة الربحية، ما ينذر بنقص تدريجي.
السيناريو الثاني: تحريك محدود للأسعار استجابة لضغوط الشركات، بما يضمن استمرار الإنتاج وتوافر الدواء، لكنه يضيف أعباء على المواطنين.
السيناريو الثالث: تفاقم الأزمات العالمية، بما يؤدي إلى اضطراب سلاسل الإمداد ونقص فعلي في الأدوية، خاصة المستوردة أو المعتمدة على خامات خارجية.

وأكد أن تجنب الأزمة يتطلب توازنًا دقيقًا بين دعم الصناعة المحلية، والتوسع في إنتاج المواد الخام، ومراجعة سياسات التسعير بشكل عادل.

تسعير تحت المراجعة
كما أكد الدكتور محمد عصمت، رئيس نادي الصيادلة، أن سوق الدواء المصري أصبح أكثر ارتباطًا بالتقلبات العالمية، في ظل الاعتماد الكبير على استيراد المواد الخام، ما يزيد من تكلفة الإنتاج ويضع الشركات تحت ضغط مستمر.

وأشار إلى أن ضغوط الشركات تظهر في صورة طلبات لإعادة تسعير بعض الأدوية، مع التلويح بوقف إنتاج الأصناف منخفضة السعر أو تقليل الكميات، ما يؤدي إلى فجوات تدريجية في السوق.

وأوضح أن الدولة تطبق نظام تسعير مركزي يعتمد على دراسة دقيقة لعناصر التكلفة والتضخم، مع مراجعات دورية لكل صنف، لضمان تحقيق التوازن بين استدامة الصناعة وحماية المريض.

وتوقع أن يشهد السوق تحريكًا جزئيًا للأسعار، مع تقديرات غير رسمية تشير إلى زيادة بعض الأصناف بنسبة تتراوح بين 20 - 30% حال استمرار الأزمة العالمية، وشدد على أن الأدوية الحيوية والمزمنة تظل أولوية، وأي زيادة في أسعارها ستكون محدودة ومدروسة.

توازن محسوب ورقابة مشددة
وكان الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة، قد أكد أن الدولة تتحرك لضبط منظومة تسعير الدواء عبر مراجعات دورية تحقق التوازن بين استدامة الصناعة وحماية المواطنين، في ظل التحديات الاقتصادية العالمية، موضحاً أن المخزون الاستراتيجي من الأدوية في الحدود الآمنة، بما يضمن تلبية احتياجات السوق، خاصة في الأصناف الحيوية.

وأشار إلى أن سياسات التسعير تعتمد على تقييم دقيق لعناصر التكلفة مع مراعاة البعد الاجتماعي، وهو ما يفسر عدم إقرار زيادات إلا في نطاق محدود وتحت ضوابط صارمة، بالتوازي مع تكثيف الرقابة لمنع الممارسات الاحتكارية، ودعم التصنيع المحلي كحل رئيسي لتقليل الاعتماد على الاستيراد.




تواصل معنا